ابن عجيبة
128
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة ، فيكون مصدرا ، فجعل ثمّة بمعنى المرسل فثنى ، وجعل هنا بمعنى الرسالة ، فسوّى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع ، كما تقول : رجل عدل ، ورجلان عدل ، ورجال عدل ؛ لاتحادهما في شريعة واحدة ، كأنهما رسول واحد . قلت : والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر ؛ أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معا بقوله : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به ، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده ، بقوله : وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد . واللّه تعالى أعلم . أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ، « أن » مفسرة ؛ لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول ، أي : خلّ بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام ، وكان مسكنهم بفلسطين منه ، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السّلام إلى مصر ، في زمن يوسف عليه السّلام . والله تعالى أعلم . الإشارة : من كان أهلا للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية ، فإن اللّه معه بالحفظ والرعاية . نعم ؛ إن طلب المعين فلا بأس ، فإن أبهة الجماعة ، في حال الإقبال على من يعظمهم ، أقوى في إدخال الهيبة والروع في قلوبهم ، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 18 إلى 29 ] قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 ) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 ) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 ) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 )